في خطتك المالية، غالبًا ما تكون عقلانيًا جدًا. ترتّب الأولويات، وتحسب العائد والمطلوب إنفاقه، وتحسب المخاطر، وتنظر إلى إمكانية الاستثمار. لكن حين تصل إلى موضوع الصدقات والتبرعات، هل تفكر بعقلانية أيضًا أم تنتقل من التخطيط إلى الاندفاع العاطفي؟ هل تتبرع بحسب الحاجة اللحظية أم بحسب خطة للتبرع؟ 

قد يبدو السؤال غريبًا، لكنه مهم. لماذا لا نتعامل مع الصدقة بنفس العقلانية التي نتعامل فيها مع باقي خطتنا المالية؟ فالصدقة في جوهرها عاطفة إنسانية نبيلة، لكنها أيضًا قرار. 

والدليل على ذلك أن كثيرًا من الناس يتعاطفون مع حاجات أخوتهم الملحّة، لكنهم فعليًا لا يقدمون شيئًا لمساعدتهم. ليس لبخلٍ منهم أو رفض للمساعدة، لكن لأنهم لم يفكروا برويّة من قبل.. ما دوري أنا في هذه المشكلة؟ كيف أستطيع المساعدة؟ 

لماذا يجب أن تخطط للصدقة؟ 

لأن للصدقات أثر على المحتاج، والمجتمع، والمتبرع. والفرق بين صدقةٍ وأخرى لا يكون في النية فقط، بل في طريقة إدارة هذه الصدقة. كيف؟ 

التخطيط يجعلك تلتفت إلى أنواع عدة من العطاء، إلى جانب التبرع المباشر لمرة واحدة. وهذا التبرع مهم جدًا في الحالات الإنسانية الطارئة أو الاحتياج العاجل، لكنه ليس الوحيد. 

هناك تبرع آخر، لا يعتمد على الحاجة اللحظية، بل يهدف إلى الاستثمار في حياة الفقراء، كما تفعل أسهم الوقف. في الوقف الخيري، المال لا يُستهلك، بل يُستثمر، وتُستخدم عوائده في الخير عامًا بعد عام. 

أي أننا ننتقل من مجرد “إنفاق للمال” إلى “إدارة الإنفاق”. وبالطبع يكون الوقف صدقة جارية، لأن مفهوم الاستمرارية ينطبق عليه بشكل واضح. 

االصدقة

 

خذ قصة “كالتون” كمثال حيّ على الاستثمار في حياة الآخرين. هذه الفتاة الصومالية يتيمة، تعيش في ظروف صعبة مع والدتها وأخوتها الستة. تحب العلم كثيرًا وتطمح أن تصبح ممرضة، لكن البيئة التعليمية لمثلها من الفتيات كانت غير ملائمة. 

في صندوق الوقف الدولي، موّلنا -من عائدات الأسهم الوقفية- ترميم مدرسة للفتيات اليتيمات، ووفرنا مستلزمات الدراسة، وحرصنا على أن تكون البيئة آمنة وحيوية لهن، فعادت “كالتون” وزميلاتها إلى مقاعد الدراسة. 

هذا الأثر العظيم الذي سوف يمتد في حياة “كالتون” ما كان ليحدث لولا التخطيط وتحديد الأولويات من قبلنا، والتخطيط لدعم سهم التعليم من قبل المتبرعين. 

وأسهم الوقف هنا كانت استثمارًا ذكيًا، لأنها بعد تنفيذ هذا المشروع دخلت دورة استثمار جديدة، وستمول في العام القادم مشروعًا تعليميًا آخر.

 

الصدقات تزداد أثرًا وعمقًا وأجرًا حين نفكّر بها بعقلانية. فكما نخطّط لاستثماراتنا لحماية مستقبلنا، وتنمية أموالنا، يمكننا أن نخطّط لصدقاتنا، لحماية أثرها واستمرار أجرها.

التصنيف: صدقة جارية